الشنقيطي

351

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهو الذي عليه الجمهور : هو أنه لا يجوز ، ومن أصرح الأدلة في ذلك تصريحه تعالى بأنه يضر ولا ينفع - في قوله : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [ البقرة : 102 ] وإذا أثبت اللّه أن السحر ضار ونفى أنه نافع فكيف يجوز تعلم ما هو ضرر محض لا نفع فيه ! ؟ وجزم الفخر الرازي في تفسيره في سورة « البقرة » بأنه جائز بل واجب قال ما نصه : ( المسألة الخامسة ) في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور ، اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف ، وأيضا لعموم قوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ، ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ، والعلم بكون المعجز معجزا واجب ، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب ، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا ، وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا . انتهى منه بلفظه . ولا يخفى سقوط هذا الكلام وعدم صحته . وقد تعقبه ابن كثير رحمه اللّه في تفسيره بعد أن نقله عنه بلفظه الذي ذكرنا بما نصه : وهذا الكلام فيه نظر من وجوه : أحدها - قوله : « العلم بالسحر ليس بقبيح » إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمعنون هذا ، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا ففي هذه الآية الكريمة يعني قوله تعالى وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [ البقرة : 102 ] تبشيع لعلم السحر . وفي السنن « من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد » « 1 » ، وفي السنن « من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر » « 2 » وقوله « ولا محظور ، اتفق المحققون على ذلك » كيف لا يكون محظورا مع ما ذكرنا من الآية والحديث ، واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم ؛ وأين نصوصهم على ذلك ! ! ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] فيه نظر ؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي ، ولم قلت إن هذا منه ! ! ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف بل فاسد ؛ لأن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا . ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز ، ويفرقون بينه وبين غيره ، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه ، واللّه أعلم . انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في الطب حديث 3904 ، والترمذي في أبواب الطهارة حديث 135 ، وابن ماجة في الطهارة وسننها حديث 639 . ( 2 ) سبق تخريجه .